محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )

12

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

من لا قديم له لا جديد له وأنّ أيّ أمّة تنكّرت لماضيها فليس لها حاضر ولا مستقبل ، ويكفينا ما حصل لأمّتنا الإسلامية عندما تخلّت عن ذلك الماضي المشرق الذي بناه أسلافنا بجهودهم وتضحياتهم ، فصرنا نقتات على موائد غيرنا ونستورد أفكارهم . إنّ التطوّر العلمي الهائل الذي وصلت إليه أوربّا إنّما كان بفضل علماء المسلمين ومفكّريهم ، فقد قام علماؤهم وكتّابهم بالاهتمام بآثارنا وتدوين تراثنا ، فالذي يراجع فهارس المكتبات العامّة في أوربّا يجد أسماء لامعة لشخصيّات شرقية من قبيل ابن سينا والكندي ونصير الدين الطوسي والفخر الرازي والعلّامة الحلّي والغزالي وغيرهم . ولم يكتف الأوربيّون بجمع مخطوطاتنا ، بل عملوا على تحقيق بعضها وطباعتها طباعة حديثة سهّلت على باحثيهم الاستزادة من أغنى وأغلى الأفكار الإنسانية . إنّ الحضارة الإسلامية التي برزت إلى الوجود منذ أربعة عشر قرنا كانت حضارة العلم والعقل والتفكير ولم تكن حضارة الحروب . وإنّ تلك المدنيّة التي انتشرت في معظم أرجاء العالم ووصلت إلى أقصى الصين شرقا وأقصى أوربّا غربا لم تكن مدنيّة السيف والرمح أو السلاح النووي ، بل كانت مدنيّة القلم والقرطاس والكتاب والدرس والبحث عن الحقيقة . لذا أرى لزاما علينا أن نعمل جاهدين على إحياء آثار أسلافنا والإشادة بفضلهم ، ونشر كتبهم وشرحها وتحليل مضامينها ؛ فإنّ الفضل في الحياة العقلية المعاصرة يعود إليهم . أولئك آبائي فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا يا جرير المجامع وكتاب « البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة » هو لواحد من أولئك الأعلام ، الذين عاشوا في القرن الثالث عشر ، وهو المولى محمّد جعفر بن سيف الدين الأسترآبادي . ويضمّ هذا الكتاب أربعة أجزاء ، والذي بين يدي القارئ العزيز هو الجزء الأوّل منه ، على أمل أن يتمّ إكمال تحقيق الأجزاء الباقية بعونه تعالى . وما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت وإليه أنيب .